الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

63

نفحات الولاية

نسبت ابلاغ الوحي الإلهي إلى جميع الملائكة ، إلّاأنّ المفروغ منه هو أنّ المراد طائفة منهم ؛ الأمر الذي صرح به القرآن الكريم بقوله : « اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا » . « 1 » كما صرح عليه السلام في الخطبة الأولى من نهج البلاغة بهذا المعنى قائلًا : « ومنهم أمنا على وحيه ، وألسنة إلى رسله » . وهذا تعبير متداول بشأن الأعمال المهمة التي تصدر من فئة معينة ضمن جماعة لتحسب على أساس تلك الجماعة . على كل حال فانّ العبارة تشير إلى مدى أمانة الملائكة في ابلاغ الوحي وايصاله على نحو الدقة دون نقيصة أو زيادة والوقع هو أنّ الإمام عليه السلام أشار بالعبارتين الأخيرتين إلى عصمة الملائكة من الذنب والزلل ، حيث أشارت العبارة الأولى إلى عصمتها عن الشبهة والشك والخطئوالثانية إلى عصمتها عن الذنب والمعصية وعدم مخالفة الأوامر الإلهية . كما أشار عليه السلام بأربع عبارات إلى عناية سبحانه بملائكة الوحي من أجل قيامها بهذه الوظيفة بصورة صحيحة . قال في العبارة الأولى أنّه أمدهم سبحانه بلطفه وعنايته ليقوموا بهذه الوظيفة الخطيرة على أكمل وجه « وأمدهم بفوائد المعونة » . ثم قال في العبارة الثانية « وأشعر قلوبهم تواضع إخبات السكينة » « 2 » كما فتح لهم باب مدحه وتمجيده وسهل لهم ذلك زيادة في عصمتهم وعلو مقامهم . وهذا ما أورده في العبارة الثالثة « وفتح لهم أبواباً ذللًا « 3 » إلى تماجيده « 4 » » . ثم قال في العبارة الرابعة « ونصب لهم منارا واضحة على أعلام توحيده » فقد أوجز الإمام عليه السلام بهذه العبارات أشكال الملائكة وصورها والفوارق بينها في القوة والقدرة ، إلى جانب بيان أحدى أهم وظائفها في ابلاغ الوحي وصفات هذه الطائفة المبلغّة للوحي .

--> ( 1 ) سورةالحج / 75 . ( 2 ) « اخبات » الخضوع والخشوع والتواضع . ( 3 ) « ذلل » جمع ذلول السهل . ( 4 ) « تماجيد » جمع « تمجيد » بيان المجد والشرف والعظمة الشخصية .